عامر الكبيسي يلتقي مع الرئيس التركي ويكتب:تركيا إستراتيجية متعددة الأبعاد
أدعوا القادة إلى أن يتواضعوا أولا فهذه أقرب لأن يُحبوا ويحترموا ، ثم أن يجعلوا الفريق المقرب لإدارة أعمالهم ولقاءاتهم من الشباب ، تلك أهم ملاحظتين يمكن لي أن أنقلها من كواليس ما قبل لقائي بعبد الله غول الرئيس التركي ، وفي الثالثة هي أن التغيير ممكن ، لو توفرت النوايا للتغيير في عالمنا العربي والإسلامي
وهكذا سريعا انتقلنا إلى الطابق الذي يجلس فيه الرئيس وهو في أحد فنادق اسطنبول المطلة على البوسفور، كان معنا شاب يبلغ من العمر حوالي ثلاثين عاما كباقي الشباب الآخرين أوصلنا إلى المصعد ، ثم تركنا إلى شاب آخر عند باب المصعد ، وثالث قبل الغرفة التي فيها الرئيس ، ورابع يقف على باب الغرفة الرئاسية ، وشابين آخرين يبدوان وكأنهما مترجمين يجلسان قرب غول ، ثم السابع قدم حلوى تسمى الحلقوم ، صغيرة ولذيذة ، وهذا كل ما تم تقديمه ، قطعة حلقوم صغيرة..
بدأ الحديث ، البداية مع المجاملات والجو في تركيا والتمنيات بطيب البقاء في اسطنبول ثم كانت السياسة ومن المثير أيضا أن صورة أتاتورك لم تكن موجودة كما هي العادة
وبين ثنايا الحديث الذي دار حول تركيا والعراق وفلسطين وحزمة من القضايا الثقافية والمجاملات لفتتني عبارة جول بأنه يوم أن زار بغداد مع زوجته وبات ليلة هناك كان حزينا وفرحا في وقت واحد ، كان حزينا لأنه وجد أرض بغداد وكأنها ساحة حرب ، فقال غول إنه ذهب إلى كابل وغيرها ولم يجد الاحتياطات الأمنية التي وجدها في بغداد ، كل بغداد سلاح في سلاح في نقاط تفتيش ، وكان فرحا لأنه ذهب إلى هناك ، فبغداد تمثل عند الأتراك محبوبة وتاريخا ، فذكر لنا مثلا تركيا بأنه لا توجد حبيبة كالأم ولا مدينة كبغداد
عندما تجلس إلى غول ستعرف ماذا يعني التواضع، في الملبس والمأكل والفريق المرافق، والأمور تسير بهدوء.
كان من المقرر أن يكون اللقاء نصف ساعة، لكنه طال حتى بلغ حوالي الساعتين
في ما يتعلق بفلسطين، فإن أمرها على المستوى الدولي ، أكبر منه ربما في أذهاننا ، وفي العبارة المختصرة التي تقرب إلى الأذهان ذلك المعنى الدولي قال غول ، كل أمر دولي وتحالف بين الدول في العالم يجعل من تلك البقعة من الأرض ويقصد منطقة القدس وما حولها داخلة في الحساب وجزءا أساسيا .كما المح الرئيس التركي إلى أن الحكومة الجديدة في إسرائيل قد تغيير خطابها في الأيام القادمة ، فكلام المعارضة ليس ككلام من هو في الحكم .
لا أريد بطبيعة الحال أن اسرد ما قيل فهناك كلام عن حزب العمال الكردستاني والإعلام في تركيا ومفهوم الحرية ،إذ لا اعتقد أن لهذه المواضيع مكانا في هذه العجالة ، لكني أريد توجيه الأذهان إلى أن تركيا وقيادتها ذات الخلفية الإسلامية وسعت رقعة التعامل مع ملف العالم العربي ،وإستراتيجيتها اليوم تتمثل بما يسمى العمق الإستراتيجي متعدد الأبعاد كما يسميه مستشار الحكومة التركية أحمد داوود اوغلو ، وهذه تعني الاقتراب والتحالف مع العالم العربي والإسلامي ، وازداد التوجه متعدد الأبعاد حينما ضغطت تركيا باتجاه تولي أكمل الدين إحسان أوغلو عام 2004رئاسة سكرتاريته منظمة المؤتمر الإسلامي ثم مع كلمة اردوغان رئيس الوزراء التركي في قمة الخرطوم عام 2006 المؤكدة للتوجه الجديد ، وبعد ذلك تعاطف أنقرة مع الشعب اللبناني في العدوان الإسرائيلي على لبنان ، ثم الموقف المشهود والمشهور لتركيا في أحداث غزة 2009 ، وهذا يؤكد على توجه تركيا العدالة والتنمية نحو القضايا العربية ، حتى صار التوجه الى العالم العربي والإسلامي أولوية ، يقف تماما مثل أهمية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوربي .
و بلمحة بسيطة فإن التبادل التجاري بين تركيا والاتحاد الأوربي انخفض للمرة الأولى منذ عقود في عام 2008 إلى ما دون الخمسين بالمائة ، بينما التبادل مع الشرقين الأوسط والأدنى في ازدياد خلال السنوات الماضية وأعلنت عشرات من الشركات التركية الكبرى الدخول للاسثمار في الدول العربية .
وأريد أن أشير هنا إلى أن توجه تركيا إلى الدائرة العثمانية السابقة في السياسة الخارجية أكسبها معارضين من الطبقة العلمانية داخل تركيا ، فمن المفترض أن علمنة الجمهورية التركية هو الأساس ، بينما جعل المحيط العربي والإسلامي يقف بنفس الدرجة مع اللاعبين الكبار وهم أمريكا والاتحاد الأوربي سيعد انحرافا عن الخطوط الأولى التي وضعها اتاتورك وهي التوجه عموما إلى الغرب باعتباره رافدا للهوية التركية الحديثة كما يقول الأستاذ بشير نافع . وعلى كل حال ، فإن هذه المعاني هي ضمن تعقيدات الداخل التركي ، لكنها نقطة إضافية تحسب لرجال حزب العدالة والتنمية المتوجهين نحو الدائرة العثمانية القديمة ،وأعتقد أن مثل هذه المواقف لمن يراقب الإستراتيجية التركية ربما تفوق في ايجابيتها تلك الموافق العاطفية التي هزت العرب والمسلمين عندما تكلمت تركيا عاليا ضد إسرائيل وتفهمت معنى المقاومة .
وهذه رسالة إلى القادة والشباب بعموم ، أن يفكروا في هذا الأمر والتحول التركي نحو الأمة العربية والإسلامية ، مثلا نحن عندما فتحنا ملفا في الجزيرة توك عن تركيا بعد غزة تحت عنوان ماذا تقول لأردوغان كانت نسبة زيارات هذا الملف أكثر نسبة زيارات منذ تأسيس الجزيرة توك قبل ثلاث سنوات وهي إشارة إلى مدى تفهم الشباب العربي وإعجابه بالتوجه التركي ، ففي تركيا تختلط السياسة مع الاقتصاد مع الجمال ، وعلى كل شاب عربي أن يجد له اليوم خيطا يربطه بهذه الدولة الشابة






التعليقات
أضف تعليقاً