عامر الكبيسي: بغداد ما بعد الاحتلال

أكتُبُني حين أكتب عن بغداد ، وكأن كل شارع منها يناديني بحنانه القديم وقد ألبسه الحزن ثوبا من
تراب لا يكاد يغادر الأجواء ،فالتراب سمة بغدادية صارت بعد أن قطعوا الحزام الأخضر .
يا عامر تتذكر كم مررت من هنا ، من كان يمشي معك ، كم منهم قتل ، أعتقل ، هاجر ، أوووه تلفني
الذكريات ، وتنزل بي إلى سابع أرض وهي التي تجعل أفكاري قرب السماء .
دع عنك هذا أبو نسم ، واستمع جيدا لخبر الشارع في بغداد ، أسمَعُه يقول لي خافتا ، نعم أنا الشارع
أو الحي الذي صنعت عني تقريرك ونطقت اسمي بصوتك ، وكتبت عن ما حصل في ساحتي يوما ،مرة
أو أكثر من مرة .
أنا ذا أرى الصور ذاتها التي الفتها عيني منذ أربع سنوات ونصف من على الفيديو عبر البث الفضائي
أعظميتها وكاظميتها ووحي جامعتهاوعدلها ويرموكها بل وحتى منطقتها الخضراء ، بعد فراق بيننا ، هكذا أجد بغداد أمامي بحلة أخرى ،وأي حلة!
ليس من رأى كمن سمع . أقول هذه العبارة وأنا المتفرغ كليا لمتابعة ما يجري في بغداد وأخواتها من المحافظات صوتا
وصورة وخبرا منذ سبعة أعوام ، وأعرف من خباياها ودهاليز سياستها ، أكثر ربما مما يعرفه من لم يغادر
عاصمة الرشيد يوما ، لكن أن تعيش الخبر شيء ، وأن تنقل الخبر شيء.
في الأيام القادمة سأحاول تسليط الضوء على بعض الظواهر التي شاهدت في بغداد، فالساعة حسب
القياس الاجتماعي للمدن ، تمر أسرع في بغداد من كل مكان في العالم ، الأمور اجتماعيا تتغير
بسرعة غريبة ، وكما أن نساء بريطانيا اعتدن على تغيير ملابسهن في اليوم أربع مرات وفقا لجو
بريطانيا المتقلب وغير الموثوق به ، فإن علم الاجتماع على ما يبدو سيحتار قطعا في رصده لطريقة
تكيف البغداديين مع تنقلات أوضاعهم السريعة .
أي سجون كبيرة تلك التي تخنق خنقا،وتضمر العقل ،إنها نوع جديد من تكبيل حركة الحياة .
، وتتركز وظيفتي في عشرة مقالات عن تقريب عمق معاناة البغدادي أخي ، وطريقة نظرته للحياة ، فثمة
عوالم تتداخل مع بعضها ، وسيكون لي نصيب مع السياسيين ، فقد ذهبت للمنطقة الخضراء ، وبت
في فندق الرشيد ، والتقيت مع سياسيين كثر ، معظمهم يحاول تشكيل لوحة الفسيفساء ليضمن
مقعده في البرلمان أو الحكومة ،وهكذا فإن ما يدور مع السياسيين مشافهة خلف الكاميرا ، أهم وأدق
مما يقوله سياسي يبتسم ليوهم الناس أنه قوي أمام التلفاز ، وهو العالم بان بيته من الداخل خرب.
لكن المجالس أمانات.






التعليقات
أضف تعليقاً